ابن أبي الحديد

274

شرح نهج البلاغة

وأما ما ذكرتم من الفتوح ، فلنا الفتوح المعتصمية التي سارت بها الركبان ، وضربت بها الأمثال ، ولنا فتوح الرشيد ، ولنا الآثار الشريفة في قتل بابك الخرمي بعد أن دامت فتنته في دار الاسلام نحو ثلاثين سنة . وإن شئت أن تعد فتوح الطالبيين بإفريقية ومصر وما ملكوه من مدن الروم والفرنج والجلالقة ( 1 ) في سني ملكهم ، عددت الكثير الجم الذي يخرج عن الحصر ويحتاج إلى تاريخ مفرد يشتمل على جلود كثيرة . فأما الفقه والعلم والتفسير والتأويل فان ذكرتموه لم يكن لكم فيه أحد وكان لنا فيه مثل علي بن أبي طالب عليه السلام ، وعبد الله بن العباس ، وزيد بن علي ، ومحمد بن علي ، ابني علي بن الحسين بن علي ، وجعفر بن محمد الذي ملا الدنيا علمه وفقهه . ويقال : أن أبا حنيفة من تلامذته ، وكذلك سفيان الثوري ، وحسبك بهما في هذا الباب ، ولذلك نسب سفيان إلى أنه زيدي المذهب ، وكذلك أبو حنيفة . ومن مثل علي بن الحسين زين العابدين ! وقال الشافعي في الرسالة في إثبات خبر الواحد : وجدت علي بن الحسين وهو أفقه أهل المدينة يعول على أخبار الآحاد . ومن مثل محمد بن الحنفية وابنه أبى هاشم الذي قرر علوم التوحيد والعدل ! وقالت المعتزلة : غلبنا الناس كلهم بأبي هاشم الأول ، وأبى هاشم الثاني ! وإن ذكرتم النجدة والبسالة والشجاعة فمن مثل علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقد وقع اتفاق أوليائه وأعدائه على أنه أشجع البشر ! ومن مثل حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ! ومن مثل الحسين بن علي عليهما السلام ! قالوا يوم الطف : ما رأينا مكثورا ( 2 ) قد أفرد من أخوته وأهله وأنصاره أشجع منه ، كان كالليث المحرب ، يحطم الفرسان حطما . وما ظنك برجل أبت نفسه الدنية وأن يعطي

--> ( 1 ) الجلالقة : أهل جلق ، وهي دمشق . ( 2 ) المكثور : المغلوب في الكثرة .